Menu

قيادة اقتصادات الشرق الأوسط انطلاقًا من رؤية محورها الإنسان

Celine Chami
Jan 31, 2022

تُرسَم معالم العالم الحديث بطريقة تحثّ دولًا برمّتها على إعادة النظر في نماذجها التشغيلية وتجبرها على إعادة تطوير منظومتها القائمة. هذا العالم الذي أتحدّث عنه هو نفسه العالم الذي نعيشه اليوم، حيث تؤدّي التكنولوجيا دورًا محوريًا جعل الناس من مختلف الفئات والأعمار متّصلين بالسلع والخدمات والمعلومات، وببعضهم البعض. شقّت التكنولوجيا أيضاً الطريق أمام بنى تحتية جديدة لتبادل المعلومات، وتنقّل الناس، والتعافي الاقتصادي، وسير الأعمال بطريقة تُحدث تحولّات جذرية في الاقتصاد. كل ما سبق يدفع الدول إلى إعادة تحديد المساحات الذكية لتعزيز مستوى التواصل والأمان وتحسين الخدمات.

أشارت دراسة أعدّها معهد النشر الرقمي متعدّد الاختصاصات (MDPI) عام 2020 إلى أنّ “أحد أبرز التحديات التي تواجهها المدن يتعلّق بالمباني التقليدية القائمة التي تستهلك أكثر من 40 في المئة من طاقة العالم وتستأثر بنسبة 24 في المئة من انبعاثات غازات الدفيئة. فالمباني هي المستهلك الأكبر للمياه والمواد والأرض. لذا فإنّ الحدّ من الأثر البيئي للمباني هو أولوية لمكافحة تغيّر المناخ وغيره من تحديات الاستدامة”.

بناء المدن من الصفر

مع أنّنا نشهد هذا التحدّي في الدول التي تنشد تحويل المدن القائمة إلى مدن ذكية، تتميّز منطقة الشرق الأوسط في أنّها تعالج مسألة التخطيط المدني من الصفر، أي أنّ التطوير يبدأ على مستوى البنى التحتية ويُترجَم بشكل فعّال وناجح في المباني والمرافق.

بالفعل، صُنّفت مدن جديدة مثل دبي وأبوظبي كالمدن الأذكى في الشرق الأوسط وذلك بفضل استثمارها في البنى التحتية المستدامة والرقمية الذكية. وضعت دولة الإمارات خططًا لتطوير مدن أكثر استدامة بطريقة صديقة للبيئة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على التوازن الاقتصادي والاجتماعي. ويتجلّى ذلك بصورة واضحة في نموذج الأعمال المستدامة ضمن مدينة مصدر في أبوظبي.

بدورها، وضعت الكويت مشروعًا طموحًا عام 2019، من خلال تشييد مدينة جنوب سعد العبدالله وتأمين المساكن المستدامة لـما لا يقلّ عن 25 ألف أسرة.

بالتوافق مع رؤيتها لعام 2030، أطلقت دولة قطر مشروعًا على نطاق واسع لتشييد مدينة لوسيل، بهدف تأمين الخدمات ووسائل الترفيه المتطوّرة إلى مواطنيها وزوّارها، وهي مدينة ترتكز على الطاقة الخضراء ووسائل النقل والبنى التحتية الصديقة للبيئة.

أمّا المملكة العربية السعودية، فتنفرد بعملها حاليًا على تطوير أربع مدن ذكية ومستدامة تراعي تغيّر المناخ وهي نيوم وأمالا والقدّية ومشروع البحر الأحمر. أمّا المدينة الأكبر بينها، فهي نيوم التي ستشمل مدينة خالية من الكربون وتعتمد على الذكاء الاصطناعي تُدعى “ذا لاين”، بحسب الخطط التي تمّ الكشف عنها مؤخّرًا.

كل هذه المشاريع، وغيرها الكثير، تحوّل الشرق الأوسط وتحديدًا الدول النفطية الغنية في مجلس التعاون الخليجي إلى منطقة تقوم على تطوير الطاقة النظيفة، من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وإعادة التدوير بشكل فعّال، إلى جانب استخدام الموارد المحدودة بطريقة ذكية. يُساهم ذلك في تعزيز جودة الحياة، وإتاحة الطاقة النظيفة وقبل أي شيء تحقيق اقتصاد متين ومستدام يؤمّن السعادة والرفاه للسكّان.

بهذه المناسبة، يقول ماهر عزالدين، الرئيس التنفيذي لشركة ideanco ورئيس مجلس إدارة رابطة خرّيجي الصناعة الفضائية والدفاع في جامعة هارفرد: “إنّ التقنّيات المبتكرة التي ترسم معالم اقتصادنا الذي يقوم على المعرفة، وإعادة اختراع القطاعات التقليدية من الزراعة إلى الخدمات المصرفية والنقل، كلّها تؤثّر بشكل كبير على المدن وعلى خفض الانبعاثات إلى الصفر بحلول منتصف القرن. فعلى المدن أن تصبح قيادية”.

ويتابع عزالدين قائلًا: “يرسم الشباب معالم ثقافتنا اليوم من أجل غد أفضل، وما ينشدونه من حرية ومغامرة وازدهار يضع ضغطًا هائلًا على المدن لتُقدّم لهم خدمات ذكية”. 

بدوره يرى المدير الإقليمي والرئيس التنفيذي للابتكار لمراكز تكنولوجيا مايكروسوفت في الشرق الأوسط وإفريقيا سامر الشدياق أنّ “أحد الدروس الأساسية التي استخلصها العالم أجمع في العامَين الماضيَين من التعامل مع جائحة كوفيد-19، هو عدم إلمام الشركات والحكومات بالمحفّزات الجديدة لمنظوماتها. فعالمنا قد تغيّر، ولم يعد بإمكاننا أبدًا النظر إلى الأمور كما كنّا نفعل قبل عشرة أو حتّى خمسة أعوام.  لقد ظهرت تقنيّات جديدة، وكان من الملفت كيفية تكيّف المؤسّسات والأفراد مع الواقع الجديد، مع العلم أنّنا بالكاد اقتربنا من البداية”.

ويتابع شدياق ليقول: “عندما نقول إنّه علينا البناء من الصفر في عالمنا الجديد، فعلينا أن نأخذ في الحسبان الواقع الجديد وما يشمله من تقنيّات التواصل، وسلوكيات المستهلك، والتكنولوجيا المالية وغيرها كركائز أساسية، لننطلق من هناك. ستلازمنا المواضيع مثل الأمن والاستدامة على المدى الطويل مع نكهات جديدة كل مرة، ومع كل فرصة جديدة، تظهر تحديات جديدة أيضًا، ممّا يرتّب علينا طرح طريقة تفكير جديدة لنبتكر ونجد الحلول”.

تحسين مستوى صنع القرار والقيادة

تُشكّل التكنولوجيا ركيزة المدن الذكية، بهدف مواصلة تحسين الخدمات المفيدة للسكان. تُسخّر هذه المدن تقنيّات التواصل المتطوّرة، بهدف تأمين خدمات أفضل في مختلف المجالات، من الرعاية الصحية إلى التعليم والنقل وغيرها. يرى عزّالدين أنّ المدن الذكية تستطيع توفير الأمن من خلال تعزيز كفاءة كافة عمليّاتها. كما يُمكن تحقيق الاستدامة من خلال طريقة هندسة المدن الجديدة، وإعادة تكوين المدن القائمة. ويُعزى الفضل في كل ذلك إلى المنظومة الجديدة التي تراعي تغيّر المناخ.

من جهته، يعتبر د. راي أ. جونسن، الرئيس التنفيذي لمعهد الابتكار التكنولوجي أنّ “عالمنا اليوم مترابط أكثر من أي وقت مضى. إنّ الأنظمة الذاتية المتطوّرة، والأنظمة الإلكترونية-الفيزيائية والمدن الذكية في المستقبل القريب كلّها تستوجب أعلى مستويات الحماية. يتطلّب هذا الوضع حلولًا شاملة تطال المنصّات وأنظمة التشغيل والتطبيقات وسلامة البيانات”.

منذ عشرات السنوات وحتّى اليوم، شكّلت المدن المحرّك لأي اقتصاد كان. أفادت الأمم المتحدة بأنّ نسبة السكّان الذين يقطنون في المدن من المتوقّع أن تزيد بنسبة 68 في المئة بحلول عام 2050. لا تنفكّ طريقة تخطيط المدن وتصميمها تتغيّر وتتبدّل، وقد أصبحت بالتالي عاملًا مباشرًا يؤثّر على التطوّرات التكنولوجية والهياكل الاجتماعية والتغيّرات البيئية. كما أنّها تؤثّر إلى حدّ كبير على العديد من القطاعات المترابطة، مثل البنى التحتية وقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتعليم والرعاية الصحية والنقل والأمن العام والعقارات.

بفضل هذا الترابط بين الأنظمة وما يوفّره من معلومات، يستطيع القادة، في القطاعَين العام والخاص، اتّخاذ قرارات أفضل في ما يخصّ سلامة المواطنين وحُسن سير العمل تباعًا.

في هذا الصدد، يقول رامي لحود، رئيس الاستراتيجية في مجموعة “أكورد بزنس جروب”: “يشهد عصرنا الحديث تغيّرًا جذريًا في مفهوم المدن، إذ يُشكّل العنصر البشري محور كل شيء. فمُدن المستقبل تتحدّى قيود المعقول والممكن، وتحرّكها وفرة التطوّرات والابتكارات التكنولوجية”. ويتابع قائلًا: “هذا ما دفع الأمم المتحدة إلى وضع إطار عمل يُحدّد الركيزة الأساسية لتطوير مدن المستقبل، بخدمة الاستدامة أوّلًا. لا عجب في ذلك إذ تُشير دراسة أجراها البنك الدولي إلى أنّ 55 في المئة من سكّان العالم يتمركزون في المدن اليوم، ومن المتوقّع أن تستمرّ هذه الصيحة، مع العلم أنّ هذه المدن تُساهم بنسبة 80 في المئة من إجمالي الناتج المحلي”.

“لن تختفي موجة التحضّر، لا بل من المتوقّع أن تنمو بشكل مطرد، ويُساهم في ذلك ضخّ رأس المال من أجل بناء بنى تحتية وتقنيات تواصل أفضل، وجذب المزيد من الناس إلى النظام الإيكولوجي الحضري. هذه الموجة الهائلة تحمل معها تحديّات للحفاظ على جودة الحياة، وتأمين الموارد الأساسية (من مياه وطاقة وهواء وما شابه)، والحفاظ على بيئة صحية ليعيش فيها الناس، وإدارة كل النفايات التي تولّدها المجتمعات. طرأ مفهوم الاقتصاد الدائري في السنوات الأخيرة لتعزيز الموارد وإعادة تدوير النفايات للحدّ من المكبّات”.

يشرح لحود كيف أنّ المهندسين أخذوا على عاتقهم، قبل عشر سنوات، محاكاة سلوكيات المدن كي يفهموا بشكل أفضل وقع التغيّرات على البنى التحتية أوّلًا. ثمّ قاموا بمحاكاة الأزمات والكوارث مثل فيضانات الأنهار والزلازل، وحتّى بات بإمكانهم محاكاة سلوكيات السكان. ماذا يحدث عندما نجمع البيانات والأدوات التحليلية والذكاء الاصطناعي المتطوّر والمحاكاة المادية المتطوّرة وإعداد النماذج ثلاثية الأبعاد والهندسة؟ الأمر شبيه بالهندسة وبناء نماذج من السيّارات والطائرات وغيرها من الاختراعات البشرية، فاستطاع المهندسون تفكيك المدن إلى نماذج رياضية يُمكن وضعها على منصات وتصوّرها.

يرى لحود أنّ “الشركات مثل ’سيمنز‘ و’داسو سيستمز‘ قد استثمرت المليارات في هذه المجالات، ووقّعت مشاريع تعاون مع مدن متطوّرة مثل باريس وسنغافورة ونيوم (السعودية) ودبي وغيرها حول العالم للمباشرة في اختبار هذه المفاهيم. تبدو النتائج واعدة وبعيدة كل البعد عن التشبّع في الوقت القريب. برأيي، لا يوجد حدود لتطوّر المدن في المستقبل، طالما أنّنا نستطيع استخراج البيانات وتحليلها وتوظيفها كمصدر أساسي لتطوير المنصات والمحاكاة وفهم كافة مكوّنات المدينة وارتباطها ببعضها البعض بصورة أفضل”.

مهارات القيادة المطلوبة للنجاح

في هذا الصدد، يقول زهير المغربي زهير المغربي، رئيس قطاع الموارد البشرية في الشركة الوطنية للإسكان، الذراع الاستثمارية لوزارة الإسكان: “علينا أن نُخطّط بدقّة وعناية كيفية بناء المدن الجديدة، مع التركيز على الحلول المبتكرة التي تخدم العملاء والمستفيدين من القطاع السكني. يجب أن نُدرك أن التكنولوجيا أداة رائعة، لكن فقط إذا كانت تخدم هدفًا أكبر، وهو تأمين حياة أفضل للسكّان. من هذا المنطلق، لا بدّ من غرس مفهوم التركيز على الناس في عقل قادتنا، حيث يقاربون كل خطوة في المشروع من هذا المنظور بالذات. لذلك يُركّز برنامجنا للتطوير القيادي على وضع القادة في سيناريوهات واقعية، حيث يضطرون إلى اتّخاذ القرارات في أوقات يسودها الاضطراب والتغيّرات الدائمة والمشاكل العالمية. عندها فقط يُمكنهم تغيير طريقة تفكيرهم للتكيّف مع المستجدّات والعمل مع فرق متنوّعة وتطبيق مفهوم القيادة التحويلية. يؤدّي ذلك حتمًا إلى جعل الناس محور كل قرار، ممّا يصبّ في صالح الفريق والعميل والمجتمع عمومًا”.

ويتابع لحود قائلًا: “سيتمكّن صنّاع القرار من الاستعلام من الأنظمة حول السياسات والمشاريع، وبعد الأخذ في عين الاعتبار كل المعطيات التي تدخل في المنصة، يستطيعون تصوّر نتائج وآثار سيناريوهات مختلفة على مدنهم. فقد بدأ السباق، وعلى غرار الاقتصادات الرقمية والتقنيات المتطورة مثل الذكاء الاصطناعي، ستصبح مدن المستقبل قادرة أكثر على الصمود كلما حلّلت مصادر البيانات، وفهمت كيف تبني نماذج للبيانات وربطت بين مكوّنات المدن المختلفة”.

يختصر الشدياق الأمر على الشكل التالي، قائلًا: “نحن نعيش في المستقبل الذي توقّعناه قبل 10 أو 15 عامًا، وأنا أؤكّد لكم أنّنا غير جاهزين اليوم تمامًا كما لم نكن حينها، لأنّ اليقين عملة متقلّبة لا يستطيع أحد تثبيتها. لكن المهمّ كان ولا يزال أمرَين اثنَين وهما: البصيرة واتّخاذ الإجراءات. فالبصيرة هي القدرة على استشراف سيناريوهات مستقبلية مختلفة وتحليلها انطلاقًا من الدراسات والاتجاهات الحالية؛ فيما اتّخاذ الإجراءات هو ما يجب أن تقوم به شركة أو حكومة ما بعد استشراف المستقبل. لقد رأينا الكثير من الأمثلة الرائعة التي تجمع بين البصيرة واتّخاذ الإجراءات لتحديد رؤى صلبة وخطط عمل يُعوَّل عليها في منطقتنا. أما النقطة الجوهرية الأخيرة، فهي المرونة، إذ أحيانًا حتّى أنجح الشركات والحكومات في العالم قد تشلّها سياساتها وعمليّاتها في أوقات التغيير”.

Celine Chami

Marketing and communications consultant

Celine is a brand expert and university lecturer with over 20 years of experience. As well as working and training hundreds of companies in the MEA region, she is currently pursuing her Ph.D. in Human Resources.